- En
- Fr
- عربي
من يومياتنا
في عالمٍ يتسارع إيقاعه الرقمي، لم تعد الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مجرّد أدوات للترفيه أو تبادل المعلومات، بل تحوّلت إلى ملاذٍ نفسي يلجأ إليه كثيرون، خصوصًا في لحظات الفراغ أو التوتر الاجتماعي. ومع تزايد الاعتماد عليها، تتعزّز ظاهرة العزلة الرقمية، حيث يبدو الإنسان متصلًا على الدوام، بينما هو يعيش في العمق وحدة متفاقمة وانفصالًا عاطفيًا خفيًا.
توضح المعالجة النفسية ديالا عيتاني، أنّ ظاهرة العزلة الرقمية تتجلّى بشكلٍ لافت لدى الأفراد الذين يعانون القلق الاجتماعي أو الرهاب الاجتماعي. فهؤلاء يجدون في العالم الافتراضي مساحة آمنة تجنّبهم المواجهة المباشرة، لذا يفضّلون التفاعل عبر الشاشات بدل التواصل الواقعي، ما يؤدي تدريجيًا إلى انسحابهم من المجتمع الحقيقي وتراجع مهاراتهم الاجتماعية.
وتشير عيتاني إلى أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لصورة مثالية ومنمّقة عن الذات، إذ يعرض المستخدمون لحظات منتقاة من النجاح والسعادة، فيما تُخفى الضغوط والمعاناة اليومية. هذا التباين بين الواقع والصورة المعروضة يولّد فجوة نفسية عميقة، ويغذّي مشاعر القلق وعدم الرضا عن الذات، لا سيما لدى الأشخاص الذين يميلون إلى المقارنة المستمرة. وتضيف أنّ ثقافة المقارنة تُعدّ من أبرز العوامل التي تعمّق الشعور بالعزلة. فحين يحاول الفرد تقليد أنماط حياة لا تشبهه، أو يغيّر من قيمه وسلوكه بحثًا عن القبول، يفقد تدريجًا صلته بذاته. وبدلًا من أن يشعر بالراحة، يتعاظم اغترابه الداخلي، ويتحوّل حضوره الرقمي إلى عبء نفسي يفاقم الوحدة بدل أن يخففها.
وفي هذا السياق، تشرح عيتاني أنّ كثيرين يلجأون إلى الهاتف في اللحظات المحرجة أو عند الشعور بعدم الارتياح الاجتماعي، لما يمنحه من إحساسٍ سريع بالراحة أو «السعادة المؤقتة». إلّا أنّ هذا التعويض المباشر يتمّ على حساب العلاقات الإنسانية العميقة. فوسائل التواصل توفّر جرعات فورية من الدوبامين، في حين أنّ التواصل الحقيقي يحتاج إلى وقتٍ وإصغاء، حيث تنشط هرمونات الأوكسيتوسين والسيروتونين المرتبطة بالثقة والأمان العاطفي.
ومع الوقت، يعتاد الفرد على محادثات سطحية، وتتراجع قدرته على الإصغاء والانتباه المتبادل. فنلاحظ، حتى في أثناء اللقاءات العائلية أو بين الأصدقاء، حضورًا جسديًا يقابله غياب ذهني، إذ ينشغل كل شخص بشاشته، ما يُفرغ العلاقة من بُعدها الإنساني.
ورغم الأعداد الكبيرة من «المتابعين» و«الأصدقاء» على وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد عيتاني أنّ كثيرين يعانون وحدةً قاسية، لأن الشعبية الرقمية غالبًا ما تكون وهمًا هشًا، ينهار عند أول حاجة حقيقية للدعم أو الاحتواء. فلا إصغاء فعلي، ولا استعداد لبذل جهدٍ عاطفي صادق من أجل الآخر.
وتلفت كذلك إلى أنّ العالم الرقمي يفرض ثقافة الإيجابية الدائمة، إذ يُنظر إلى الحزن أو التعب على أنهما ضعف غير مقبول، فيشعر الفرد بأنه غير مرحّب به كما هو، بل مطالَب على الدوام بإخفاء معاناته والتجمّل المستمر، ما يعمّق شعوره بعدم القبول والانفصال العاطفي.
من هذا المنطلق، تشدد عيتاني على أهمية أن يطرح الفرد على نفسه أسئلة بسيطة لتقييم أثر وسائل التواصل على صحته النفسية، مثل:
هل أشعر بانخفاض في الطاقة؟ هل أنتظر الإشعارات باستمرار؟ هل أشعر بالضياع من دون الهاتف؟ وهل تراجعت قدرتي على التواصل وجهًا لوجه؟
وتوضح أنه في حال انعكس الاستخدام المفرط سلبًا على النوم، أو السلوك اليومي، أو العناية بالنفس، أو أدى إلى زيادة القلق والتشتت، يصبح اللجوء إلى الدعم النفسي المتخصص خطوة ضرورية، لا دليل ضعف.
المراهقون هم الأكثر تأثرًا
تتضاعف المخاطر لدى المراهقين، إذ يعيشون أصلًا مرحلةً حسّاسة مرتبطة بتشكّل الهوية. فهم يبحثون عن القبول والانتماء، ويكونون أكثر عرضة للتأثّر بالمقارنة وبآراء الآخرين، لا سيما الخجولين منهم أو أولئك الذين يعلّقون قيمةً كبيرة على نظرة الأصدقاء والمدرسة، ما يجعلهم أكثر انجذابًا إلى وسائل التواصل وأكثر تأثّرًا بانعكاساتها النفسية.
ختامًا، ما يبدو في ظاهره تواصلًا دائمًا، يُخفي في جوهره انقطاعًا عاطفيًا حادًا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التوازن بين الحضور الرقمي والتواصل الإنساني الحقيقي، وبين الصورة الافتراضية والذات الواقعية، حفاظًا على الصحة النفسية وعلى معنى العلاقات الإنسانية.
”يفرض العالم الرقمي ثقافة الإيجابية الدائمة، إذ يُنظر إلى الحزن أو التعب على أنهما ضعف غير مقبول، فيشعر الفرد بأنه غير مرحّب به كما هو، بل مطالَب على الدوام بإخفاء معاناته والتجمّل المستمر، ما يعمّق شعوره بعدم القبول والانفصال العاطفي.“
كيف نساعد؟
- تخصيص وقت ثابت غير مشروط للحضور الحقيقي.
- الإصغاء من دون محاولة فورية للإصلاح.
- الاعتراف بالمشاعر لا التقليل من شأنها.
- تشجيع العلاقات الحية تدريجًا لا بالقسر.
- طلب دعم متخصص عند استمرار الأعراض.
- غالبًا ما يُساء التعامل مع العزلة عبر نصائح سريعة أو عبارات مثل: «شدّ حالك» أو «كلنا هيك». هذه العبارات، رغم حسن النية، تعمّق الشعور بالوحدة بدل أن تخفّفه.
الأكثر فاعلية هو
- الحضور الصادق لا الحلول الجاهزة.
- تسمية الشعور: «أشعر بك.. تبدو وحيدًا».
- احترام إيقاع الشخص وعدم الضغط عليه.
- الاستمرار في التواصل حتى في لحظات الرفض.
وفي كل الحالات، من الضروري أن نُدرك أنّ العلاقة الآمنة تُبنى حين يشعر الفرد أنّ مشاعره «مسموح بها» حتى لو لم نفهمها بالكامل.











