- En
- Fr
- عربي
أمراض وأوبئة
تعدّ الحمّى القلاعية من الأمراض الفيروسية الخطيرة التي تصيب الثروة الحيوانية، لما لها من تداعيات مباشرة على القطاعين الزراعي والاقتصادي. فهي مرض شديد العدوى، يتفشّى بسرعة كبيرة بين الحيوانات المجترّة مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويؤدي إلى انخفاضٍ حاد في إنتاج الحليب، تأخُر النمو، ونُفوق أعداد من الحيوانات، ما يُخلّف خسائر فادحة تُثقل كاهل المزارعين وتنعكس تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على المجتمع بأسره جرّاء تعطيل الإنتاج الحيواني وارتفاع كلفة اللحوم ومشتقات الحليب.
ورغم أنّ الحمّى القلاعية لا تنتقل إلى الإنسان في معظم الحالات، إلا أنّ خطرها على المجتمع ككل يفرض تعزيز الوعي العام وتكثيف إجراءات الوقاية، حمايةً للأمن الغذائي وصونًا للصحة الحيوانية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار المجتمعي.
يوضح الطبيب البيطري روي شهوان أنّ انتقال الحمّى القلاعية إلى الإنسان يُعد نادرًا، وغالبًا ما تكون الأعراض خفيفة وتشبه أعراض الزكام أو تظهر على شكل تقرحات جلدية بسيطة. ويؤكد أنّ المرض لا يشكل خطرًا حقيقيًا خطيرًا على البشر، بل يتركز تأثيره الأساسي على الثروة الحيوانية. وقد لوحظت الإصابات البشرية المحدودة لدى أشخاص على تماسٍ مباشر وكثيف بالحيوانات المصابة مثل المزارعين أو الأطباء البيطريين.
أهمية الإجراءات الوقائية
أما لدى الحيوانات، فيُعدّ المرض من أكثر الأوبئة البيطرية قدرة على التفشّي السريع، إذ ينتقل عبر التماس المباشر، أو من خلال الهواء لمسافات قصيرة، فضلًا عن الأدوات والمعدّات ووسائل النقل الملوّثة، وحتى الأعلاف والمياه، ما يجعل احتواءه تحدّيًا معقّدًا. وتتمثّل أبرز عوارضه، بحسب شهوان، بارتفاع الحرارة، تقرحات في الفم واللسان، سيلان اللعاب، ضعف الشهية، تورُّم الأقدام وصعوبة في الحركة فضلًا عن الانخفاض المفاجئ في إنتاج الحليب لدى الأبقار.
ولا تتوقّف تداعيات الحمّى القلاعية عند حدود الإصابة الآنية، إذ قد تترك آثارًا طويلة الأمد حتى بعد تعافي الحيوانات، من خلال تراجع الخصوبة، وبطء النمو، واستمرار ضعف الإنتاج، ما يهدّد استدامة القطاع الحيواني ويضاعف الخسائر على المزارعين.
وفي مواجهة هذا الخطر، تشكّل الوقاية خط الدفاع الأول. وفي السياق، يشدّد شهوان على ضرورة التزام سلسلة إجراءات متكاملة تبدأ بالتلقيح الدوري المنتظم، وعزل أي حيوان تظهر عليه أعراض المرض فورًا، إلى جانب تعقيم الأدوات والمعدات بشكلٍ دائم. كما يؤكد أهمية ضبط تنقُّل الحيوانات بين المَزارع، وعدم السماح به من دون مراقبة بيطرية، إلى التبليغ الفوري عن أي حالة مشتبه بها للجهات المختصة. ويحذّر من الاستهانة بأي عارض يظهر على الحيوانات، معتبرًا أنّ الكشف المبكر والتبليغ السريع عاملان حاسمان في الحدّ من الخسائر. كذلك، يشدد على ضرورة التعاون مع الفِرق البيطرية والتزام برامج اللقاحات الرسمية لحماية الثروة الحيوانية ومصدر رزق المزارعين.
وعن التحديات التي تُعيق الوقاية من الحمّى القلاعية في لبنان، يلفت الطبيب إلى مجموعة عوامل أساسية، في مقدّمها نقص التمويل، وعدم توافر اللقاحات بشكلٍ دائم، وضعف الوعي لدى بعض المزارعين، إضافة إلى صعوبة تطبيق الحجر البيطري في بعض المناطق. كما يشكّل التهريب غير الشرعي للحيوانات عاملَ خطر إضافيًا في إدخال المرض مجددًا رغم الجهود المبذولة لمكافحته.
وفي ظل الضغوط المتزايدة التي تواجه قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية في لبنان والعالم، تبقى الحمّى القلاعية من أبرز الأمراض التي تستدعي استجابة سريعة ومتكاملة على المستويات البيطرية، الصحية والاقتصادية. ورغم ندرة انتقالها إلى الإنسان، فإنّ خطورتها تكمن في قدرتها على إحداث اضطراب واسع في الإنتاج الحيواني. من هنا، تبرز الوقاية والمراقبة والتبليغ المبكر كركائز أساسية لحماية الثروة الحيوانية وضمان استقرار الإنتاج الغذائي. كما تفرض المرحلة اعتماد رؤية بيطرية واضحة واستراتيجية وطنية طويلة الأمد، تُحصّن المواشي وتدعم المزارعين وتعزّز صمود الإنتاج الريفي في مواجهة أي تفشٍّ محتمل للأوبئة الحيوانية.











