مدن وحضارات

جبيل مهد الحضارة، وبداية التاريخ
إعداد: العقيد زياد الجلبوط

شهدت جبيل، قبل أكثر من خمسة آلاف عام، تحولًا استثنائيًا في تاريخها، ومفصليًا في مسار البشرية. حدث ذلك عندما عبر الفكر المتحضّر في أزقّتها وبين أكواخها، فرفع أسوارها المهيبة، وشيّد مساكنها المتطورة، وخطّط طرقاتها المتناسقة. انطلقت هذه الثورة الحضارية بفعل وعي سكان المدينة لقيمة موقعهم، وحسن استثمارهم لمواردهم، وانخراطهم الفاعل في التغيرات الكبرى التي عصفت بالشرق الأدنى القديم آنذاك. إنّها حقبة بداية التاريخ مع اختراع الكتابة، ونهاية عصر الحجر مع اكتشاف المعادن، وظهور المدينة نتيجة لتطور القرية.

 

تحضّرت جبيل في النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد، فدخلت التاريخ لا كمشاهِدة لأحداثه، بل كصانعة له. سبقها إلى ذلك بلادُ ما بين النهرين ومصر، حيث بزغ فجر الحضارة أولًا، فانتظم المجتمع وازدهرت العمارة وظهرت الفنون والكتابة. لم تتأخر جبيل في اللحاق بهذا الركب، فأشرقت الحضارة من شواطئها في وقت كانت فيه كثير من المدن التي نعرفها حاليًا غارقة في صمت ما قبل التاريخ. تُظهر الحفريات الأثرية اليوم هذه الثورة الحضارية المبكرة، إذ تكشف عن التطوّر المذهل الذي عرفته المدينة حينها في اقتصادها واستراتيجيتها الدفاعية وتنظيمها المدني وعمارتها.

 

المدينة العاقلة
نشأت الحضارة حين انتقل البشر من حياة القرية الضيّقة إلى نمط الحياة المدنية الأوسع. عاش الإنسان العاقل قبل ذلك لحوالى 300 ألف عام ضمن جماعات عائلية صغيرة مؤلفة على الأكثر من خمسين شخصًا. اعتمدت هذه الجماعات في عيشها على الترحال لصيد الحيوان وقطاف الموارد النباتية الصالحة للأكل. استمرّ نمط الحياة هذا حتى شهدت البشرية، منذ نحو 12 ألف عام، تحولًا جذريًا تمثَّل في ظهور الزراعة وتدجين الحيوان. مرحلةٌ مفصليةٌ عُرفت بالثورة الزراعية، جعلت البشر يستغنون عن التنقل من أجل الاستقرار في مجتمع ضيق أُطلق عليه اسم القرية.
يُعتبر الشرق الأدنى القديم موطنًا للثورة الزراعية ومسرحًا لأحداثها. يعود ذلك للظروف الاستثنائية التي توافرت على أرضه كالبيئة الملائمة والموارد النباتية والحيوانية القابلة للتدجين والاستئناس من قمح، وزيتون، وأغنام، ودواجن، وغيرها. جعلت هذه الظروف من المنطقة المكان الأنسب لنشوء القرية التي تعتبر النواة الأولية للحياة الاجتماعية. لكن القصة لم تنتهِ هنا، إذ ما لبثت القرية أن تطوّرت، وزاد إنتاجها الغذائي، وأنشئ نظام لإدارتها، وبرز فيها الحرفيّون، والكهنة، والمقاتلون، وغيرهم. فتحولت نتيجة لذلك بعد حوالى ستة آلاف عام على ولادتها، إلى مدينة، فدخل العالم بذلك فترة التحضُّر.
ترتبط الحضارة ارتباطًا مباشرًا بظهور المدينة بوصفها شكلًا متقدّمًا من أشكال التنظيم الاجتماعي. تميّزت المدينة منذ نشأتها بمؤسّساتها الإدارية والحكومية والدينية، وبتطوّر في الفنون والعمارة والمعارف وفي أساليب العيش. بزغ فجر الحضارة أولًا على ضفاف نهري دجلة والفرات ونهر النيل، ثم ما لبث أن اتّسع نطاقها ليشمل معظم مناطق الشرق الأدنى القديم. حدث ذلك نتيجة التفاعل المستمر بين المجتمعات القروية والمراكز الحضرية الناشئة في بلاد ما بين النهرين ومصر، وهو تفاعل أتاح تبادل المعارف والتقنيات والعناصر الحضارية. وكانت جبيل واحدة من هذه القرى التي تأثّرت بمحيطها وتفاعلت معه، فتحضرت في النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد.


جبيل وأرز لبنان
تُعَدّ مدينة جبيل من أقدم مدن العالم؛ إذ تأسست حوالى العام 3200 قبل الميلاد. تشير الروايات الشفهية المحلية التي وثّقها المؤرخ فيلو الجبيلي في القرن الأول للميلاد إلى أنّ أهلها كانوا يعتقدون أنّها أقدم مدينة عرفها الإنسان. قد لا يكون هذا المعتقد بعيدًا عن الوقائع التاريخية التي كشفتها الحفريات، إلا أنّ الباحثين يتفقون اليوم على اعتبار بلاد ما بين النهرين، ومن ثمّ مصر، مهدًا لنشوء المدن الأولى. من المهم أن نشير هنا إلى أننا نتحدّث عن تاريخ تحضّر جبيل، لا عن تاريخ الوجود الإنساني القديم فيها أو في لبنان. ولو أردنا الحديث عن ذلك، فإنّ آثار هذا الوجود تعود لعشرات آلاف السنين في مواقع مثل سهل الخيام وكسار عقيل ونهر الكلب وعدلون وغيرها.
يعود التطور الذي شهدته جبيل إلى تفاعلها الفريد مع محيطها القريب والبعيد. لعب موقع المدينة الاستراتيجي على نتوءٍ صخريّ يطلّ على البحر، دورًا حاسمًا في ربطها بشبكات التجارة. أسهم في ذلك أيضًا غِنى محيطها بالمواد الأوّلية، ولا سيّما خشب الأرز في جبال لبنان. تروي إحدى البرديات المصرية مثلًا أنّ بعثة تجارية مؤلفة من 40 سفينة أرسلت إلى جبيل حوالى العام 2600 قبل الميلاد وعادت إلى مصر محملة بأشجار الأرز. لا يبدو أنّ هذه الرحلة هي الأولى بين الوجهتين إذ توجد بقايا من خشب الأرز في مقابر ابيدوس في مصر، التي يعود تاريخها تقريبًا إلى العام 3000 قبل الميلاد.
شكّل خشب الأرز مادة نادرة وثمينة في العالم القديم، استخدم في بناء المعابد والسفن، وامتدت فائدته إلى الطقوس الدينية إذ استُعملت زيوته في التحنيط. تجاوزت قيمة الأرز استخداماته المادية لتصل إلى الأساطير والملاحم القديمة، فاعتُبر رمزًا للقوة والخلود. تشكّل غابة أرز لبنان في ملحمة جلجامش مثلًا قلب الأحداث؛ فهي المكان البعيد الذي يجب أن يصل إليه بطل الملحمة بعد مواجهة أخطار عديدة، ليقطع الأخشاب وينقلها إلى مدينته أوروك ويستخدمها في بناء معابدها وبواباتها. تمثّل غابة الأرز في الملحمة رمزًا للقوة والعظمة؛ فهي المكان الذي يختبر فيه جلجامش شجاعته، ويواجه فيه قوى الطبيعة، سعيًا إلى تحقيق حلم الخلود.
لم يكن لجبيل نظامها الخاص في الكتابة عند نشأتها، إذ تُظهر جميع النصوص المبكرة المكتشفة فيها اعتمادًا على الكتابة الهيروغليفية المصرية. تُعدّ الكتابة إحدى أبرز مظاهر التمدّن، فهي التي مكّنت الإنسان من توثيق أفكاره وتنظيم شؤونه بشكلٍ منهجي وهي التي نقلته من عصر ما قبل التاريخ إلى عصر التاريخ. انطلقت الكتابة لأول مرة من مراكز الحضارة المبكرة: في بلاد ما بين النهرين نشأت المسمارية، وفي مصر ظهرت الهيروغليفية. لم تُبقِ جبيل على نظام الكتابة كما تلقّتْه، بل شاركت، إلى جانب صور وصيدا، في تبسيطه وتطويره. نتيجةً لذلك، انبثقت الأبجدية بعد نحو ألفي عام، وخرجت من شواطئ صور، على ما يبدو، إلى العالم، فكانت أحد أعظم إنجازات البشرية.

سور جبيل العظيم
شهدت جبيل في النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي مع بدايات عصر البرونز، تشييد سورها الدفاعي الأول وهو من بين أقدم المنظومات الدفاعية في العالم القديم. كان لبناء السور دور حاسم في انتقال المستوطنة من حالة القرية الزراعية المفتوحة إلى المدينة المغلقة ذات التنظيم المركزي. وفّر السور حماية المدينة من التهديدات الخارجية ومثل أيضًا رمزًا معنويًا لهيبتها وقوّتها وفَرَض حضورها في محيطها. تطلبت إقامة مثل هذا المشروع الضخم حشدًا هائلًا للموارد واليد العاملة، وهو ما يؤكد وجود سلطة محلية منظمة وقوية في المدينة قادرة على التخطيط والإدارة وفرض النظام.
شُيّد السور على خطوط القمم المحيطة بالمدينة من الجهتَين الشمالية والشرقية مشرفًا بذلك على داخلها وعلى محيطها الخارجي. سمحت هذه الميزة للمدافعين بمراقبة الأخطار المحدقة الآتية من خارجها وحجب الرؤية من هناك إلى الداخل. سيختار الفرس بعد نحو 2500 عام والصليبيون بعد نحو 4200 عام الموقع ذاته لبناء قلعتيهما، وهذا دليل مادي قوي على براعة الجبيليين في التخطيط العسكري­.
كشفت الحفريات أنّ السور شُيّد من الحجارة الضخمة وأنّ ارتفاعه بلغ في بعض المواضع قرابة أربعة أمتار ونصف، بينما بلغ عرضه نحو مترين. لم يُعثر على أي أثر له في المنحدرات الغربية والجنوبية للمدينة. تشير إحدى الفرضيات إلى أنّ هذه الجهات لم تُسَوَّر، لأنّ انحدارها الحاد شكّل دفاعًا طبيعيًا بحد ذاته. تَعتبر فرضية أخرى أنّ السور ربما كان قائمًا هناك، لكنّ الانهيارات الأرضية المتتالية التي حصلت لاحقًا دمّرته تمامًا.
ضمّ السور أربع بوابات، شُيّدت بعناية على امتداد الشوارع التي تربط بين المناطق الخارجية والأحياء الداخلية. كانت هذه البوابات تنظم حركة الدخول والخروج للأفراد والبضائع. لم تكشف الحفريات عن أي أبراج حماية فوق السور، لكن من المحتمل وجودها قرب البوابات الأربعة، كونها النقاط الأضعف والأكثر عرضة للاختراق.

كل الطرق تؤدي إلى العين
فرض بناء سور جبيل تعديلًا في حدود المنطقة السكنية، لتنحصر داخله بعد أن كانت ممتدة سابقًا إلى الخارج. قسّمت المدينة إلى ثلاثة عشر حيًا سكنيًا، مع مركز إداري وديني واحد في الوسط. تألفت هذه الأحياء، التي بلغت مساحتها خمسة هكتارات، من تجمعات سكنية كان شكلها واتجاهها غير منتظمَين بعض الشيء، يعود ذلك إلى تأثرها بالمميزات الطوبوغرافية للموقع وبمسار الشوارع المحيطة بها. خُصصت المنازل داخل المدينة للنخب الثرية، فيما عاش معظم العمال وعائلاتهم خارج الأسوار، حيث كانوا يعملون ويساهمون في نشاطها الاقتصادي والاجتماعي. لم تكن سلطة المدينة إذًا، محصورة داخل أسوارها، بل شملت أيضًا الأراضي المحيطة بها التي ضمت الحقول والمزارع والغابات.
احتوى وسط المدينة على عين ماء عذبة، ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، وعلى بركة طبيعية مقدسة ومعبد. خُصص المعبد لعبادة ترتكز على الماء ضمن طقوس تشمل العين والبركة. فالماء ليس مجرد عنصر أساسي في دورة الحياة، بل يحمل منذ القدم دلالات رمزية ودينية لم تفقد معناها حتى اليوم، فهو رمز للطهارة والنقاء والتجدد. ارتبطت عين الماء في جبيل لاحقًا، بأسطورة إيزيس وأوزيريس المصرية، إذ تشير الروايات القديمة إلى أنّ الإلهة إيزيس وصلت إلى جبيل خلال بحثها عن جسد زوجها المقتول على يد أخيه، ووجدت نفسها عند عين الماء حيث أخبرتها إحدى النساء بمكان أوزيريس. تُعد هذه الحكاية رمزًا للحب والوفاء والتجدد، ويتقاطع بعض عناصرها مع قصة أدونيس وعشتروت الفينيقية حول الموت والقيامة.
كشفت الحفريات عن وجود معابد أخرى، أحدها وربما أهمها يقع إلى الشمال الغربي من العين، ويُرجَّح أنّه يعود إلى هذه الفترة. خُصّص هذا المعبد لعبادة البعلة، أي سيدة جبيل، الإلهة الحامية للمدينة. مثّلت البعلة محور الحياة الدينية، وارتبط اسمها بجبيل باعتبارها راعيتها وحاميتها عبر الأجيال. ظل المعبد في الاستخدام لأكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ أُعيد بناؤه وتطويره مرات عديدة حتى العصر الروماني. نشير هنا، إلى أنّ المعابد لم تكن في هذه الفترة مجرد مراكز دينية، بل كانت مؤسسات شاملة تدير الاقتصاد وتخزن الثروات وتمتلك الأراضي.
تحولت المساحات الفاصلة بين الأحياء السكنية وحي العين إلى ممرات لحركة السكان وتطورت تدريجًا لتشكّل شوارع المدينة. دلّت الحفريات على وجود قواعد أعمدة متقابلة على جانبي بعض الشوارع. يشير ذلك إلى أنّ أجزاء منها كانت مغطاة، ربما بمظلات خشبية لحماية المارة والبضائع من أشعة الشمس والشتاء، وهو تنظيم يشابه أسواق المدن الشرقية اليوم. كانت الشوارع الأساسية للمدينة تربط بين مختلف أحيائها، إذ كان بإمكان المارة الانتقال عبر بواباتها الأربع إلى الشوارع الواسعة التي تخترق الأحياء السكنية وصولًا إلى الحي المركزي. اتخذت الشوارع نتيجة لذلك شكل مخطط شعاعي، حيث كانت «جميع الطرقات توصل إلى العين».


الحكمة بنت بيتها
تميّزت المنازل في جبيل في الفترة التي سبقت التحضر بشكلها البيضاوي أو شبه الدائري، وكانت تتألف من غرفة واحدة. بُنيت جدرانها، محدودة الارتفاع، من التراب أو الأجحار غير المصقولة. صنعت أسقف المنازل من أغصان الأشجار والقش ويُرجح أنّها كانت مقبّبة الشكل وترتكز مباشرة على الجدران من الخارج وعلى عامود أو أكثر من الوسط. تطوّر شكل المنازل في مرحلة لاحقة فأصبحت مستطيلة، وانتظمت حول فناء مشترك، مشكّلةً وحدة سكنية يحيط بها سور للحماية. وتكوّنت القرية آنذاك من عدة وحداتٍ سكنية متجاورة، تعود كل واحدة منها، على ما يبدو، إلى عائلةٍ مختلفة.
شهدت العمارة في جبيل تطوّرًا بارزًا تزامن مع تمدّنها ومع اكتشاف معدن البرونز. فقد أتاح استعمال أدوات البناء المعدنية، الأكثر حدّةً ومتانة من الأدوات الحجرية، مستوى أعلى من الحِرفيّة والدقّة في تقنيات البناء. مكّنت هذه الأدوات العاملين من التعامل بكفاءة مع الحجر والخشب، الأمر الذي انعكس إيجابًا على تطوّر العمارة وقيام مساكن ثابتة ومتطورة. تميّز المسكن الجديد بشكله المستطيل وبسقفه القائم إجمالًا على سبعة أعمدة­؛ من المحتمل أن يكون هذا التصميم المعماري التاريخي قد ألهم وأثرى الفكر الديني والأدبي لاحقًا. فصورة البيت مكتمل البنيان ذي الأعمدة السبعة استُعملت في سفر الأمثال: «الحِكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة»، لتوصيل فكرة روحية عن القوة والكمال الذي تمنحه الحكمة للإنسان. أتاح هذا التصميم سقفًا مائلًا بجهتين، مع تهوئة وإضاءة طبيعية عبر فتحات علوية وباب واحد.
انتظمت المنازل حول فناء مشترك، كأنّها وحدات صغيرة داخل المدينة. في قلب كل وحدة يقف المنزل الأساسي، أو «الخلية الأم»، الأكبر والأبرز، وتُبنى حوله تدريجًا المنازل الأخرى. لم تكن المنازل متصلة مباشرة بعضها ببعض داخل الوحدة السكنية، بل كانت أبوابها تنفتح على الفناء المشترك، الذي يتصل بدوره بشارع خارجي. يعكس هذا التنظيم حرصًا واضحًا على تأمين الخصوصية وتسهيل الحركة. اللافت أنّ هذا النمط التخطيطي ما زال حاضرًا في البيوت الشرقية التقليدية إلى يومنا هذا. يقوم هذا التخطيط على توزيع الغرف حول فناء مركزي يوفّر التهوئة والإنارة ويشكّل محور الحياة اليومية، ضمن ترتيب يحفظ الخصوصية.
وأخيرًا، يجب أن نذكر أنّ وظيفة هذه المساكن لم تكن مثل وظيفة المنازل في أيامنا هذه، إذ يُرجَّح أنّها خُصّصت حصريًا للراحة والنوم والاحتماء من أشعة الشمس والأمطار. أمّا معظم أنشطة الحياة اليومية الأخرى، كإعداد الطعام والعمل والتفاعل الاجتماعي، فكانت تتمّ في الأماكن العامة والساحات المفتوحة المحيطة بالمسكن.

الخلاصة
دخلت الحضارة إلى جبيل منذ أكثر من خمسة آلاف عام، فارتفعت أسوارها، وتنسقت أحياؤها، وارتكز كل واحد من منازلها على «سبعة أعمدة». أخذت هذه المدينة بعضًا من أرز الجبال المحيطة بها وأرسلته إلى العالم القديم، حيث شُيِّدت به المعابد والسفن، ونسجت حوله الملاحم والأساطير. هكذا انتقلت جبيل في هذه الفترة من قرية زراعية بدائية إلى مدينة نامية ومتطورة. هذه الثورة الحضارية لم تكن لتحصل من دون وجود سلطة مركزية قادرة على حشد الموارد البشرية والمادية وتوجيهها. فرضت هذه السلطة قوانين صارمة ونفذت مشاريع كبرى تمثلت في بناء سور المدينة المهيب، الذي كان يثير الرهبة والوقار عند الاقتراب منه. تخلّل السور بوابات ضخمة خصصت لتنظيم الدخول والخروج من وإلى المدينة. كانت البوابات تؤدي عبر طرقات داخلية تعلو بعضها المظلات، إلى الأحياء السكنية الراقية ذات البيوت مقببة الأسقف والمهوأة جيدًا. كانت جميع الطرق توصل إلى عين الماء العذبة في وسط المدينة، حيث المؤسسات الدينية والدنيوية.
قد تبدو هذه المشهدية عادية، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا: فهذه الثورة الحضارية حدثت في النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد، حين كانت معظم مدن اليوم إما غارقة في عصور ما قبل التاريخ أو لم تكن قد تشكّلت بعد. ففي هذه الفترة الضاربة في التاريخ جسّدت جبيل النموذج المبكر لـ«المدينة-الدولة»، والمثال الأقدم للتحضر والانفتاح التجاري والثقافي في العالم القديم.

 

المراجع

  1. Dunand, M. (1939). Fouilles de Byblos. Tome I: 1926–1932. Texte. Paris, France: Librairie orientaliste Paul Geuthner.
  2. Dunand, M. (1954a). Fouilles de Byblos. Tome II: 1933–1938. Texte. Paris, France: Librairie d’Amérique et d’Orient Adrien Maisonneuve.
  3. Jalbout, Z. (2018). Stratégie militaire du Levant Nord à l’âge du Bronze (Thèse de doctorat non publiée). Université Paris 1 Panthéon-Sorbonne, Paris, France.
  4. ­Lauffray, J. (2008). Fouilles de Byblos (Vol. 6, L’urbanisme et l’architecture). Beyrouth, Liban : Institut français du Proche-Orient